حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
253
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
وإن كانت كبيرة ، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر . نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق . ثم إن قوله مِنَ الْكافِرِينَ هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحدا منهم ؟ قال قوم : إنه يدل على ذلك لأن كلمة « من » للتبعيض . وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد . ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال : إنه تعالى خلق خلقا من الملائكة ثم قال لهم إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ ص : 71 ] قالوا : لا تفعل ذلك . فبعث اللّه نارا فأحرقتهم . وكان إبليس من أولئك . وقال آخرون : معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك ، لأن الكفر كان ظاهرا عند نزول الآية ، أو لأن الأفراد الذهنية تكفي في صحة الجمع . فإن الحيوان المخلوق أوّلا يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا الحيوان أي من أفراد هذه الماهية ، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو قول الأكثرين . واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة ، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ ص : 73 ] . وأيضا استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ذلك الحكم . ومن الناس من أنكر ذلك وقال : هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك ، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية ، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة . وقالوا : المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة . قوله تعالى وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذونا في الانتفاع بجميع الجنة ، وعلى ما هو تكليف وتعبد ، فإن المنهي عنه كان حاضرا . روي عن قتادة أنه قال : إن اللّه ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود ، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء ، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها ، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه . فإسكانه موضعا يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف . وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك . فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري . لا تصير الدار ملكا له . وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة . ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [ النساء : 1 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم « إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة ، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها